المعجزة الرابعة عشرة: وفد قم ورؤية الحجة عليه السلام

 وروى أيضاً عن عليّ بن سنان الموصلي عن أبيه انّه قال: لمّا قُبض أبو محمّد عليه السلام وقدم وفد من قم والجبل وفود بالأموال التي كانت تحمل على الرسم، ولم يكن عندهم خبر وفاة أبي محمّد الحسن عليه السلام.

فلمّا أن وصلوا إلى سرّ من رأى سألوا عنه، فقيل لهم: انّه قد فقد، فقالوا: ومن وارثه؟ فقالوا: جعفر أخوه، فسألوا عنه، فقيل: خرج متنزّهاً وركب زورقاً في الدجلة يشرب الخمر ومعه المغنّون.

قال: فتشاور القوم وقالوا: ليس هذه صفة الإمام، وقال بعضهم لبعض: امضوا بنا حتى نردّ هذه الأموال على أصحابها، فقال أبو العباس محمّد بن جعفر الحميري القمي: قفوا بنا حتى ينصرف هذا الرجل، ونختبر أمره على الصحة، قال: فلمّا انصرف دخلوا عليه وسلّموا عليه وقالوا: يا سيدنا نحن من أهل قم فينا جماعة من الشيعة وغيرهم، وكنّا نحمل إلى سيدنا أبي محمّد عليه السلام الأموال.

فقال: وأين هي؟ قالوا: معنا، قال: احملوها إليّ، قالوا: انّ لهذه الأموال خبراً طريفاً، فقال: وما هو؟ قالوا: انّ هذه الأموال تجمع ويكون فيها من عامة الشيعة الدينار والديناران، ثم يجعلونها في كيس ويختمون عليها، وكنّا إذا وردنا بالمال إلى سيدنا أبي محمّد عليه السلام يقول جملة المال كذا دينار، من فلان كذا، ومن عند فلان كذا، حتى يأتي على أسماء الناس كلّهم، يقول ما على نقش الخواتيم.

فقال جعفر: كذبتم تقولون على أخي ما لم يفعله هذا علم الغيب، قال: فلمّا سمع القوم كلام جعفر جعل بعضهم ينظر إلى بعض، فقال لهم: احملوا هذا المال إليّ، فقالوا: إنّا قوم مستأجرون، لا يسلّم المال إلاّ بالعلامات التي كنّا نعرفها من سيدنا الحسن عليه السلام، فان كنت الإمام فبرهن لنا، وإلاّ رددناها على أصحابها يرون فيها رأيهم.

قال: فدخل جعفر بن عليّ على الخليفة وكان بسرّ من رأى فاستعدى عليهم، فلمّا احضروا قال الخليفة: احملوا هذا المال إلى جعفر، فقالوا: أصلح الله الخليفة نحن قوم مستأجرون، ولسنا أرباب هذه الأموال، وهي لجماعة وأمرونا أن لا نسلّمها إلاّ بالعلامة والدلالة، وقد جرت بهذه العادة مع أبي محمّد عليه السلام.

فقال الخليفة: وما كانت الدلالة التي كانت مع أبي محمّد؟ قال القوم: كان يصف لنا الدنانير وأصحابها والأموال وكم هي، فإذا فعل ذلك سلّمناها إليه، وقد وفدنا عليه مراراً وكانت هذه علامتنا معه وقد مات، فان يكن هذا الرجل صاحب هذا الأمر فليقم لنا ما كان يقيمه لنا أخوه، والاّ رددناها إلى أصحابها الذين بعثوها بصحبتنا.

قال جعفر: يا أمير المؤمنين هؤلاء قوم كذّابون يكذبون على أخي وهذا علم الغيب، فقال الخليفة: القوم رسل وما على الرسول إلاّ البلاغ المبين، قال: فبهت جعفر ولم يرد جواباً، فقال القوم: يا أمير المؤمنين تطول بإخراج أمره إلى من يبدرقن(16) حتى نخرج من هذا البلد.

قال: فأمر لهم بنقيب فأخرجهم منها، فلمّا أن خرجوا من البلد خرج إليهم غلام أحسن الناس وجهاً كأنّه خادم، فصاح: يا فلان ويا فلان بن فلان أجيبوا مولاكم، فقالوا له: أنت مولانا؟ فقال: معاذ الله أنا عبد مولاكم فسيروا إليه.

قالوا: فسرنا معه حتى دخلنا دار مولانا الحسن بن عليّ عليهما السلام، فإذا ولده القائم سيدنا عليه السلام قاعد على سرير كأنّه فلقة قمر عليه ثياب خضر، فسلّمنا عليه فردّ علينا السلام، ثم قال: جملة المال كذا وكذا دينار، وحمل فلان كذا، ولم يزل يصف حتى وصف الجميع، ووصف ثيابنا ورواحلنا وما كان معنا من الدواب، فخررنا سجّداً لله تعالى وقبّلنا الأرض بين يديه.

ثم سألناه عمّا أردنا فأجاب، فحملنا إليه الأموال وأمرنا عليه السلام أن لا نحمل إلى سرّ من رأى شيئاً من المال، وانّه ينصب لنا ببغداد رجلاً نحمل إليه الأموال وتخرج من عنده التوقيعات.

قالوا: فانصرفنا من عنده، ودفع إلى أبي العباس محمّد بن جعفر الحميري القمي شيئاً من الحنوط والكفن، فقال له: أعظم الله أجرك في نفسك، قال: فلمّا بلغ أبو العباس عقبة همدان حمّ وتوفي (رحمه الله)، وكان بعد ذلك تحمل الأموال إلى بغداد إلى نوّابه المنصوبين، وتخرج من عندهم التوقيعات.(17)

 

الهوامش:

(16) يبدرقنا: من البدرقة، وهي الجماعة التي تتقدم القافلة وتكون معها، تحرسها وتمنعها من العدو. (17) الثاقب في المناقب: 608/ ح 555/ فصل 5.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *